سيد محمد طنطاوي
124
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ذكر - سبحانه - بعض النعم التي أنعم بها على الناس ، ودعا المنحرفين عن الحق إلى ترك المجادلة بالباطل ، وإلى مخالفة الشيطان ، فقال - تعالى - : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 20 إلى 21 ] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظاهِرَةً وباطِنَةً ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدىً ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) وإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّه قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْه آباءَنا أَولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 ) والخطاب في قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ . . ) * لأولئك المشركين الذين استحبوا العمى على الهدى ، واشتروا لهو الحديث ليضلوا غيرهم عن طريق الحق . وسخر : من التسخير ، بمعنى التذليل والتكليف ، يقال : سخر فلان فلانا تسخيرا ، إذا كلفه عملا بلا أجرة ، والمراد به هنا : الإعداد والتهيئة لما يراد الانتفاع به . والاستفهام لتقرير الواقع وتأكيده . أي : لقد رأيتم - أيها الناس - وشاهدتم أن اللَّه - تعالى - سخر لمنفعتكم ومصلحتكم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم . . وما في الأرض من زرع وأشجار وحيوانات وجبال . . وما دام الأمر كذلك فاشكروا اللَّه - تعالى - على هذا التسخير ، وأخلصوا له العبادة والطاعة . وقوله - تعالى - : * ( وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَه ظاهِرَةً وباطِنَةً ) * معطوف على ما قبله . وقوله : * ( وأَسْبَغَ ) * بمعنى أتم وأكمل عليكم نعمه : وهي ما ينتفع به الإنسان ويستلذه من الحلال . والنعمة الظاهرة : هي النعمة المشاهدة المحسوسة كنعمة السمع والبصر وحسن الهيئة والمال ، والجاه ، وما يشبه ذلك مما يراه الإنسان ويشاهده . والنعمة الباطنة : هي النعمة الخفية التي يجد الإنسان أثرها في نفسه دون أن يراها . كنعمة الإيمان باللَّه - تعالى - وإسلام الوجه له - عز وجل - ، والاتجاه إلى مكارم الأخلاق ، والبعد عن رذائلها وسفسافها .